الشنقيطي
324
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
وكما عرفه التاريخ للنبي صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ومن تبعهم بإحسان . أمّا بالنظر إلى نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ [ الحج : 40 ] الآية ، وقوله : وَكانَ حَقًّا عَلَيْنا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ ( 47 ) [ الروم : 47 ] ، وقوله : وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ ( 171 ) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ ( 172 ) وَإِنَّ جُنْدَنا لَهُمُ الْغالِبُونَ ( 173 ) [ الصافات : 171 - 173 ] ، وقوله : كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ ( 21 ) [ المجادلة : 21 ] ، وقوله : إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا [ غافر : 51 ] الآية ، وقوله : قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ ( 14 ) [ التوبة : 14 ] ، ونحو ذلك من الآيات وما في معناها من الأحاديث . فإنّ النّسبة بين التمسّك بالدّين والتقدّم ، كالنّسبة بين الملزوم ولازمه ؛ لأنّ التمسّك بالدّين ملزوم للتقدّم ، بمعنى أنّه يلزم عليه التقدّم ، كما صرّحت به الآيات المذكورة . ومعلوم أنّ النّسبة بين الملزوم ولازمه لا تعدو أحد أمرين : إمّا أن تكون المساواة أو الخصوص المطلق ، لأنّ الملزوم لا يمكن أن يكون أعمّ من لازمه . وقد يجوز أن يكون مساويا له أو خصّ منه ، ولا يتعدّ ذلك . ومثال ذلك : الإنسان مثلا ، فإنّه ملزوم للبشريّة الحيوانيّة ، بمعنى أنّ الإنسان يلزم على كونه إنسانا أن يكون بشرا وأن يكون حيوانا ، وأحد هذين اللّازمين مساو له في الماصدق وهو البشر . والثاني أعمّ منه ما صدقا وهو الحيوان ، فالإنسان أخصّ منه خصوصا مطلقا كما هو معروف . فانظر كيف خيّلوا لهم أن الربط بين الملزوم ولازمه كالتنافي الّذي بين النقيضين والضدّين . وأطاعوهم في ذلك لسذاجتهم وجهلهم وعمى بصائرهم ، فهم ما تقوّلوا على الدين الإسلامي ورموه بما هو منه بريء إلّا لينفروا منه ضعاف العقول ممّن ينتمي للإسلام ليمكنهم الاستيلاء عليهم ، لإنّهم لو عرفوا الدّين حقّا واتّبعوه لفعلوا بهم ما فعل أسلافهم بأسلافهم ، فالدين هو هو ، وصلته باللّه هي هي ، ولكن المنتسبين إليه في جلّ أقطار الدنيا تنكّروا له ، ونظروا إليه بعين المقت والازدراء ؛ فجعلهم اللّه أرقّاء للكفرة الفجرة ؛ ولو راجعوا دينهم لرجع لهم عزّهم ومجدهم ، وقادوا جميع أهل الأرض . وهذا ممّا لا شكّ فيه ذلِكَ وَلَوْ يَشاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلكِنْ لِيَبْلُوَا بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ [ محمد صلى اللّه عليه وسلم : 4 ] . ومن هدي القرآن للّتي هي أقوم - بيانه أنّه كلّ من اتّبع تشريعا غير التشريع الّذي جاء به سيّد ولد آدم محمّد بن عبد اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه ؛ فاتّباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح ، مخرج عن الملّة الإسلاميّة . ولمّا قال الكفّار للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم : الشاة تصبح ميتة من قتلها ؟ فقال لهم : « اللّه قتلها » فقالوا له : ما ذبحتم بأيديهم حلال ، وما ذبحه اللّه بيده الكريمة تقولون إنّه حرام ! فأنتم إذن أحسن من اللّه ! ؟ - أنزل اللّه فيهم قوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّياطِينَ لَيُوحُونَ إِلى أَوْلِيائِهِمْ لِيُجادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ